ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

65

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فاركب يا هذا جواد الاجتهاد والجمه بلجام الجوع واغرس الخضوع وأنزل اصطوان الصبر ، وسرج العزم وحزم الحزم ، واركب في متن الجود ، وكن من الأجواد ، واصلح الجياد بالجياد والبس درع التقوى ، وتزود بالزهد تكسر النفس والهوى والعجب والرياء والسخرية والكبرياء ، وقف بالباب بخضوع وخشوع ودموع وركوع وتضرع إلى اللّه في الدعاء ؛ ليقذف في قلبك النور ؛ لأن مادة المواهب لا تصلح إلا إذا صفت المعاملة ووقع الصلح لكن الطمع في كرم اللّه والخوف من عذاب اللّه ، فأما الخوف فقد قال وهو أصدق القائلين : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] ، وقال عبّاد : أشد عباد اللّه خوفا في الدنيا أكثرهم أمنا يوم القيامة ، لأن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : « خوّفنا يا كعب ، قال : كيف بك وكيف تصنع إذا أتي بجهنم تنقاد بسبعين ألف زمام كل زمام بيد سبعين ألف ملك ، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرّب إلا وهو جاث على ركبتيه يزعم أنه لا يفوز من هول يوم القيامة ، فبكى عمر حتى غشي عليه ، ثم أفاق ، فقال : أمنّا يا كعب ، فقال : يا أمير المؤمنين لو علمتم رحمة اللّه لأبطأتم في العمل تأخرا » . وقيل : « مرّ عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام على يحيى فرآه باكيا فقال له عيسى : أراك عابسا كأنك آيس ! فقال يحيى لعيسى صلوات اللّه على نبينا محمد وعليهما : أراك باسما كأنك آمن فقال : لا نبرح من مكاننا حتى ينزل أمر ربنا يفصل بيننا ، فأنزل اللّه لهما : أن لا تيأسا ولا تقنطا ، ولا تأمنا مكري ولا تيأسا من رحمتي » وقد أنزل اللّه نظير ذلك في كتابه العزيز وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ [ الأعراف : 99 ] فيكون العبد بين الخوف والرجاء ، فيكون الخوف للنفس سائقا ، والرجاء لها قائدا إن ونت على سائقها حثها قائدها ، وإن ونت على قائدها حركها سائقها ، فإن النفس ما دامت حية تسعى حية ، فحدها وجدها ، وأجردها وأصقلها بالجوع ، وجاهدها بالركوع وخوفها بالدموع ، فإذا صقلت مرآة قلبك أبصرت ببصيرتك وسطعت الأنوار بباطنك ، وطلعت شموس المعارف بسرك ، ولمع ضياء الإشراق في ساحات صفحاتك ، وساح الفيض في ساحاتك ، وتلألأ النور في أرجائك ، وانكشف عن غوامض الغوامض الغطاء لك ، وتزايد عطاؤك وانهلت سحب الغمام وسجال الأسجال هذا مقام الرجال كلما أخلص العبد عمله كلما هطل من المدد مثله . وما كلامي وعظتي إلا نصحا للمسلمين إخواني وشفقة عليهم ، فاللّه يهدي من اهتدى ويرشد من اقتدى ؛ ليكون ممن سلك إلى الطريق منهجا وإلى التوفيق مريدا ،